عن العمارة وما نفقد من قيم
منذ يومين كنت في طريقي نحو مركز المدينة بحلب حيث أمر عادة بجانب الحرم الجامعي.
ولكل من لا يعرف الحرم الجامعي في حلب، فإن معظم أبنية كلياته ومنشآته مشابهة لبعضها.. ولا يحتاج الأمر لمعماري فذ ليشخص أن تلك الأبنية خالية من فكرة أو هوية وتتبع نموذجاً عاماً للأبنية الحكومية، أي بمعنىً آخر ناقصة شكلاً وعلى الأرجح ناقصة وظيفياً أيضاً!
إلا أنني، ولكوني خريجاً من جامعة حلب، فقد قضيت سنين في نطاق الجامعة وأبنيتها وداخل قاعاتها. ذلك أعطى لديَّ تلك الأبنية الصماء هوية وروحاً ترمزان لفترة دراستي وتحملان خصوصيات الجامعة والحياة فيها. أصبح المرور بجانب الجامعة ودخول حرمها يستثير روائح وطعوماً وتداعياً للصور، ومنحني حنيناً لشكل متوازي المستطيلات المجرد المميز للأبنية.
إلا أن تجربتي الشخصية وصورتي الذاتية عن الجامعة لا تعني أن تلك الصروح بعيدة في تصميمها عن جمود الفكر وبرود الروح، وعلى الأرجح أن قشعريرة تسري عبر كيان كل معماري شغوف ينظر إليها لقصور العناصر العمار فيها من الوظيفة والانسجام والشكل.
أعود من هذا الاستطراد عما تستثيره أبنية الجامعة في نفس الناظر إلى حادثة مروري بمحاذاة الحرم الجامعي في طريقي المعتاد.. عند نقطة معينة يعرفها عارفوا جامعة حلب قرب تقاطع كلية العمارة أدرت بصري باتجاه الكلية، وأنا الذي لم أرها منذ فترة، فرأيت واجهة البناء الجديدة! وكما هو ممكن للقارئ أن يستنتج، فإن بناء كلية العمارة يتمتع بالفعل بالجمود والبرود الحاضر في باقي أبنية الجامعة. ولكن ماذا عن الواجهة الجديدة؟.. نعم قالب مكرر أيضاً، إلا أنها تباهي بإضافة جديدة هي صرعة معظم الأبنية الحديثة، وهي زجاج الواجهة الأزرق. قد تكو هكذا إضافة ذات معنى عندما تكون خلاقة ضمن الوظيفة المرجوة، وليس عندما تكون نسخاً مكرراً لما نشاهد في كثير من واجهات المكاتب والشركات ودور عرض السيارات.
لا أقصد هنا التقليل من أجل جهد بذل لتحسين واجهة المبنى، فذلك على الأرجح نابع بحد ذاته عن رغبة للأفضل والعمل في سبيله. ما أتساءل عنه فعلياً هو فراغ عملنا من القيمة والهدف، وابتعادنا عن ما يلائم منطقاً وحساً يلائمنا.
ألا تباهي منطقتنا بتنوع تاريخي وثقافي، وأمثلة حاضرة عن غنىً في العمارة والفنون؟.. أمثلة عن نماذج يونانية ورومانية وبيزنطية، وإسلامية أموية وعباسية وسلجوقية وأيوبية ومملوكية وعثمانية، كلها تبدي كيف صاغ البشر عمارتهم على أنها بصمة مميزة في البيئة وفي مجرى الزمن، ومبينين تكامل في القيمة الجمالية والوظيفة العمرانية مع احترام البيئة وانسجام الشكل مع الوسط، وكل ذلك موسوم بهوية ثقافية مرتبطة بخصوصيات المرحلة.. أين ومتى فقدنا صلتنا بذلك؟ وما المسؤول عن ضياعها؟.. هل هم الناس، الذين لم يعودوا مهتمين بأصالة الفكرة وتمام الوظيفة بل يهتمون بالكم، فلا تجد سوقاً لعمارة أصيلة؟.. أم هو نقص في منح معماريينا التأهيل والإطلاع والشغف؟.. هل ذلك عارض صراع بين فهم سطحي للقيم والتراث وفهم سطحي للحداثة، صراع تقع ضحيته العلوم والفنون؟ أم هو عارض عيشنا في عالم متسارع بشكل لا إنساني، عالم تشح فيه الموارد فتغدو الأولوية لصراع البقاء ولا يبقى مكان لقيم النفس والعقل الجمالية؟…. أم كل ذلك؟؟!
إن الذين يعملون هم الأجدر بالمساءلة، فاستكانة العالم أفدح ألف مرة!
